صفقة القرن أم نتنياهو.. أيهما يسقط أولا؟

قٌضي الأمر، إسرائيل سوف تتوجه لانتخابات جديدة في السابع عشر من سبتمبر القادم، بعد فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إقناع أحزاب اليمين بالانضمام إلى حكومته الجديدة. عمت الفوضى السياسية في المنطقة، والتزام الأمريكان الصمت، خوفًا منهم على مستقبل خطتهم للسلام في الشرق الأوسط والمعروفة إعلاميًا باسم "صفقة القرن". غاب عن المشهد الإسرائيلي الرجل القوي القادر على اتخاذ الخطوة الاستراتيجية لمصلحة "إسرائيل"، وغابت الثقة في الأحزاب الإسرائيلية بشخص نتنياهو، فهو مُعرض للخسارة أو الفوز في الانتخابات القادمة. لذا فإن "صفقة القرن" بحاجة إلى حكومة إسرائيلية قوية ومتينة قادرة على اتخاذ الخطوات الجريئة لتنفيذ والقبول بصفقة القرن، وهذا ما يُثير الإدارة الأمريكية، والتي فشلت بدورها مجددًا في طرح صفقة القرن كما كان متوقع أواخر شهر رمضان. صراع مع الوقت: الوقت يمضي سريعًا، فلن تتمكن حكومة إسرائيلية قوية من الجلوس على عرش "إسرائيل" قبيل الأول من أكتوبر/تشرين أول 2019، ووقتها سيذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى ترشيح نفسه لولاية جديدة للولايات المتحدة، وسيكون من الصعب طرح صفقة القرن في ظل استعدادات ترمب ترشيح نفسه للانتخابات في 2020. نتنياهو يواجه العديد من المشاكل خلال الثلاث أشهر القادمة تتلخص في جلسات الاستماع القانونية في تهم الفساد الموجه له، كما يواجه معضلة قطاع غزة ومستقبل التفاهمات مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، والفصائل الفلسطينية في غزة. سقوط حزب الليكود وعدم قدرته على جمع أكبر عدد من مقاعد الكنيست القادم، هو بمثابة رصاصة الرحمة على نتنياهو أولًا ومن ثم صفقة القرن، والذي تجد فيه واشنطن شريكًا هامًا في فرض وتطبيق صفقة القرن. رأي مختلف: يحيى قاعود الكاتب والمحلل السياسي يقول: بداية، يختلف التخطيط الاستراتيجي والمؤسساتي في دولة الاحتلال، عن محيطها العربي، فالتخطيط مرتبط بالمشروع الصهيوني وليس في أشخاص أو أنظمة سياسية. قاعود: وعليه يمكن القول بأن الإجراءات والسياسات الإسرائيلية مستمرة بنتنياهو أو بدونه، كذلك، كافة البرامج الحزبية في إسرائيل تنادي بضم الضفة الغربية وفرض السيادة، وفصل القطاع وعزله. قاعود: الخلافات القائمة الآن هي حول القضايا الداخلية، وأعتقد بأن كافة الخلافات جاءت لصالح اليمين، فهو لم يتنازل عن مواقفه، وبالتالي أتوقع بأنه سيفوز كما فاز في الانتخابات السابقة، مع احتمالية زيادة أصواته لثباته على مواقفه تجاه القضايا الداخلية. قاعود: فيما يخص "خطة السلام الأمريكية"، أعتقد بأن أكبر التحديات أمامها هي عدم الاستجابة العربية والدولية لها، بالإضافة إلى الرفض الفلسطيني، رغم انعدام سياسات الرفض أو مقاومتها، ومع ذلك ما زالت الإدارة الأمريكية وإسرائيل مستمرة في تطبيقها. قاعود: بعد القرارات الأمريكية بحق الشعب الفلسطيني، تسعى "إسرائيل" الآن لانتقال الحل من الداخل للخارج أي العمل على فتح علاقات طبيعية مع الدول العربية، خاصة الدول الخليجية، مستغلة ومستثمرة الخلافات الإيرانية-العربية، أي تعمل على تجاوز الموقف الفلسطيني، فهي ليست بحاجة لموافقته. قاعود: فيما يخص الحكومة الإسرائيلية القادمة بعد الانتخابات الـ 22 للكنيست، وأيًا كانت النتائج، فهناك استراتيجية إسرائيلية واضحة وهي "عدم إقامة دولة فلسطينية" وهو ما توافق عليه الإدارة الأمريكية الجديدة من خلال إقراراها بالوقائع المفروضة على الأرض وتعزيزها من خلال قراراتها الجديدة والمتتابعة. عوامل لسقوط صفقة القرن: سيسقط نتنياهو، ولكن تبقى صفقة القرن وسقوطها مرهون بثلاثة عوامل، وفق المحلل السياسي حسام الدجني، هي: مدى قدرة الفلسطينيين على التوحد في مواجهتها، عبر استراتيجية وطنية جامعة تنعكس ايجابًا على الموقف العربي والاسلامي وعلى موقف المجتمع الدولي. مدى قدرة الدبلوماسية الشعبية والرسمية في تشكيل لوبي ضاغط على الإدارة الأمريكية لتغيير ملامح الصفقة بما يخدم الحقوق الفلسطينية وينسجم والقانون الدولي. الخارطة السياسية في "إسرائيل" ومدى قدرة فلسطينيو 1948 في توحيد صفوفهم بما يساهم في إضعاف كتلة اليمين في الداخل الإسرائيلي. التحديات تتعاظم والوقت يمضي: الدجني يرى أن هناك مجموعة من العوامل تقف في وجه المجتمع الإسرائيلي ونتنياهو خلال الثلاث أشهر القادمة تتمثل في الأمن والشرعية والمستقبل السياسي. التحديات الأمنية:والتي تشكل غزة وجبهة جنوب لبنان ومدى قدرة إيران على امتلاك القدرة النووية وامتلاك سوريا وتركيا على صواريخ إس 300 و400، كل ذلك يشكل الهاجس الأكبر لـ"تل أبيب"، وهناك تحدي أمني آخر مرتبط بالضفة الغربية وفرص انهيار السلطة الفلسطينية وأثر ذلك على أمن المستوطنات والعمق الإسرائيلي. التحدي المتعلق بالشرعية:وأحد أهم أوجهه أن تفشل "إسرائيل" في مشروع التطبيع وتشكيل ناتو عربي إسرائيلي ضد إيران، وزيادة فاعلية ونشاط منظمة المقاطعة الدولية "بي دي إس" وذهاب السلطة للمحاكم الدولية لمقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين. على الصعيد الشخصي لنتنياهو فانه يواجه تحديات أخرى تتلخص في: مستقبل نتنياهو السياسي في ظل الاتهامات له ولزوجته بالفساد. إجراء الانتخابات وقدرة نتنياهو على الحسم وتحسين نسبته في الكنيست المقبلة. إبقاء التفاهمات بشكلها الراهن الهدوء مقابل الهدوء دون دفع أي أثمان لحماس متعلقة برفع الحصار. مستقبل السلطة الفلسطينية في ظل تلويح رئيس الحكومة محمد اشتيه لسيناريو الفراغ الأمني لصحيفة نيويورك تايمز. هدف ترمب.. دمج "إسرائيل" في المنطقة الدجني يضيف أن ترمب سيبذل جهودًا كبيرة في تحسين فرص فوز نتنياهو خلال الانتخابات المقبلة، وسيمارس ضغوطًا سياسية على جزء كبير من النظام الإقليمي لدفعه للضغط على السلطة وتمرير صفقته. ربما يقدم على إجراء تحسينات شكلية على الصفقة لتشكل مدخلًا لبعض الأطراف لقبولها. عامل الوقت بالنسبة لترمب مهم فهو معني بالدرجة الأساسية في تحقيق إنجاز يخدمه في الانتخابات المقبلة لأنه لو نجح سيضمن أصوات اليهود واللوبيات الاقتصادية والإعلامية كونه سيسجل أنه الرئيس الأوحد الذي أرسى مبادئ السلام والاستقرار ونجح في إدماج "إسرائيل" بالمنطقة. "التضحية والاختيار": الإدارة الأمريكية تخشى من تغير في الخارطة السياسية في "إسرائيل" خلال جولة الانتخابات القادمة وهو ما سيضع مقترح "صفقة القرن" على المحك، لينتهي بها المطاف كالحمل الكاذب. لذا تعتمد سياسة ترمب خلال المرحلة القادمة قبيل ترشحه للانتخابات الأمريكية القادمة على قاعدة " التضحية والاختيار"، وفق المحللون. هذه القاعدة سوف تحدد مصير صفقة القرن بالتحديد، في ظل الفوضى السياسية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وعدم قدرته على شن حرب ضد إيران، وعدم قدرته على الكشف عن صفقة القرن وتفاصيلها خشية رفضها وفشلها، وعدم قدرته على الحصول على بعض دعم من الأطراف العربية الفاعلة في المنطقة. لذا فإن الإعلان عن صفقة القرن سيكون أمرًا مستحيلًا في ظل المتغيرات الإسرائيلية والإقليمية والدولية. لأجل ذلك تُسارع الإدارة الامريكية لفرض معطيات جديدة على أرض الواقع من أجل ضمان الحديث بشكل دائم عن خطة السلام المعروفة بصفقة القرن، وهو ما يمثله مؤتمر البحرين، باعتباره أحد الحلول الاقتصادية التي تلوح بها إدارة ترمب لإرضاء الضعفاء وتحويل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من سياسي لاقتصادي.