تأملات عربية في التجربة الصينية :الخطة الخمسية الرابعة عشرة.. خطوة أخرى على الطريق!!

بقلم/ صلاح أبوزيد أكثر من مليون مقترح للخطة الخمسية الرابعة عشرة قُدمت عبر الإنترنت في شهر أغسطس، غير مساهمات أخرى متخصصة جاءت من جامعات ومراكز أبحاث وهيئات رسمية. وهناك طبعاً اهتمام عالمي متزايد بهذه الخطة، التي تعمل الصين على وضعها لتكون منهج عمل الدولة خلال الفترة من 2021م إلى 2025م، ومن المنتظر أن يقرها المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (أعلى هيئة تشريعية في البلاد) في دورته السنوية القادمة. فالصين ليست فقط أكبر دولة نامية وصاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأقوى محرك للاقتصاد العالمي، بل هناك مخاوف وهواجس تغذيها وسائل إعلام عالمية وسياسيون غربيون حول دور الصين المتنامي على الساحة الدولية كقوة عظمى ورغبتها في فرض الهيمنة على بلدان ومناطق في آسيا وإفريقيا بل وفي أوروبا نفسها، والسعي المحموم من قِبل هؤلاء لخلق ما يمكن تسميته "فوبيا الصين"، مروراً بترويج الشائعات وإطلاق الفيروس الصيني على كوفيد 19 وانتهاء بمحاولة حصار شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة وخنقها وتشويه سمعتها. ومن ثمَّ فإن الاهتمام بالخطة الخمسية الرابعة عشرة كإطار عمل ومرجعية يمكن من خلالهما فهم الصين ونظرتها للعالم خلال الفترة القادمة يأتي في إطاره الطبيعي.. ومنذ الخطة الخمسية الأولى لتنمية الاقتصاد القومي، التي أشرف على وضعها أول رئيس وزراء لجمهورية الصين الشعبية شو إن لاي في عام1953 م تحت القيادة المباشرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، عاشت البلاد حتى الآن في ظل ثلاث عشرة خطة خمسية تمحورت حول تنمية الاقتصاد والتحول من الزراعة إلى التصنيع والانفتاح على العالم الخارجي والاشتباك معه اشتباك مصالح وارتباطات واقتصاد وتشارك وتناغم .. ومن يتأمل هذه المسيرة الحافلة، سيدرك دون كبيرِ مجهودٍ أنها سلسلة متواصلة من الطموحات والتطلعات المشروعة والنجاحات لدولة حققت الكثير من الإنجازات المشهودة على الصُّعد كافة. والخطة الخمسية الثالثة عشرة قفزت بالصين في عهد الزعيم شي جين بينغ خطوات واسعة في كل المجالات، فتحسنت بيئة الأعمال بشكل كبير، وتواصَل تعميق الإصلاح وتوسيع الانفتاح على العالم الخارجي، ونما الاقتصاد بما يقرب من 100 تريليون يوان /حوالي 15 تريليون دولار، مع تجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 10000 دولار، وبلوغ حصة الاقتصاد الصيني من الاقتصاد العالمي 16.3 %  في عام 2019م. كما باتت الصين صاحبة أكبر عدد من السكان ذوي الدخل المتوسط في العالم، ورغم ما عاشته منذ بداية العام من ظروف صعبة بسبب كوفيد19 والأحوال الدولية المتقلبة الناجمة عن الجائحة وما تتبناه بعض الدول من إجراءات حمائية وأحادية ومناهضة للعولمة، فإن مسيرة الخطة الثالثة عشرة الناجحة ستتوج بخروج آخر فقير من دائرة الفقر الملعونة بنهاية عام 2020م. أما البيئة التي يوليها الرئيس شي اهتماماً خاصاً فقد شهدت تطوراً كبيراً يلمسه كل من يعيشون بالصين، حيث تحسنت جودة الهواء والمياه من أواخر يناير إلى أوائل يونيو، وفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة الإيكولوجيا والبيئة. وبلغت النسبة المئوية للأيام ذات نوعية الهواء الجيدة 86.9 في المائة في 337 مدينة من 20 يناير إلى 6 يونيو، بزيادة 4.7 نقطة مئوية على أساس سنوي. وفي الجلسة الكاملة الخامسة للجنة المركزية ال19 للحزب الشيوعي الصيني، التي عقدت خلال الفترة من  ال 26  إلى ال 29 أكتوبر، قدم الأمين العام الرئيس شي تقرير العمل نيابة عن المكتب السياسي للجنة المركزية وشرح مسودة وثيقة مقترحات اللجنة المركزية لصياغة الخطة الخمسية الرابعة عشرة 2021-2025 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والأهداف المستقبلية لعام 2035م. وحسب البيان الصادر في أعقاب الجلسة فإنه من المنتظر أن تركز الخطة الرابعة عشرة على الاعتماد على النفس أو ما يطلق عليه الدورة المحلية للاقتصاد مع الاستفادة في الوقت نفسه من الدورة الاقتصادية العالمية، بالإضافة إلى الابتكار التكنولوجي والحفاظ على البيئة ودفع نظام الحوكمة وركيزته الأساسية "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، وزيادة تعزيز آداب السلوك الاجتماعي والتعامل، ورفع رفاهية الشعب إلى مستوى جديد، وغيرها من المحاور المتعلقة بتطوير الصناعة والزراعة وكيانات السوق والطاقة والخدمات العامة والتوظيف والنهوض بالريف والدفاع والقوات المسلحة، إلخ.  إذن الخطة القادمة لن تكون منفصلة عما سبقها من خطط، وعلى الأرجح لن تشهد تغييرات حادة، بل ستبني على ما تحقق من إنجازات، ولكن يُتوقع أن تكون خطوة أكبر على الطريق، حيث كان من اللافت الربط بينها وبين عام 2035م كهدف بعيد المدى لتحقيق التحديث الأساسي للمجتمع، ويرى لي جونرو النائب السابق لرئيس مدرسة الحزب التابعة للجنة المركزية هذا الربط حدثًا تاريخيًا مهمًا بالنسبة للحزب. والصين لمن يعرفها ليست في عجلة من أمرها، ولا تضع خططها التنموية للاستعراض وجذب الانتباه أو كسب أصوات الناخبين، لكنها تمضي بخطى واثقة ومحسوبة نحو أهدافها المحددة سلفاً وستصل إليها حتماً في نهاية المطاف.